المشاركات

دور تقنيات تحليل البيانات في حل مشكلات الأعمال

بالرغم من التقدم المستمر الذي يشهده العالم في كافة المجالات (العلمية والتقنية)، إلا أنه يواجه مشكلة حقيقية ألا وهي تناقص الموارد المادية والطبيعية. وللتغلب على هذه المشكلة لابد من تحقيق الاستخدام الأمثل لهذه الموارد واستثمارها بالطريقة الصحيحة وحفظها من الضياع والهدر.

ويمكن لتقنيات تحليل البيانات حل هذه المشكلة من خلال مساعدة مؤسسات الاعمال على الاستغلال الامثل للموارد المتاحة من خلال ترشيد عملية صنع القرار بما يحقق اقصى عوائد ممكنة لها.

حيث يمكنها أن تساعد الإدارات في تنفيذ أعمالها بكفاءة عالية والتعامل مع الحالات المعقدة للوصول إلى الحلول المثلى لمشكلاتها، وذلك لرفع كفاءتها في حل المشكلات, من خلال مساعدتها على معرفة أفضل طريقة لأداء شيءٍ ما، والاحتفاظ بهذه الحلول كمعرفة جديدة تضاف الى المخزون المعرفي للمنظمة لتساهم في تحسين قدرات وخبرات مؤسسات الاعمال على حل الاشكالات ومواجهة التحديات مستقبلاً.

وبسبب توسع أنشطة الأعمال وتنوعها واتساع رقعة عمل مؤسسات الأعمال عن السابق، وكذلك الطبيعة المعقدة والمركبة لمشكلات الأعمال ولتداخل أنشطتها، فأنشطة مثل الإنتاج والتخزين والشحن والتوزيع أصبحت متداخلة وتتأثر أحدها بالأخرى. بالإضافة إلى تزايد معايير التنافسية بين منظمات الأعمال. فأصبح على منظمات الأعمال ليس حل إشكالات أنشطة الأعمال فقط، بل عليها تحقيق الكفاءة في عملية حل هذه الإشكالات بأسلوب رشيق وعملي لحل التعارضات او الاشكالات التي تنشأ خلال تنفيذ انشطة الاعمال وبما يضمن تحقيق أكبر عائد وبأقل التكاليف، وكذلك المساعدة على تلبية كامل الطلب على المنتج.

ومن ثم امكانية تحويل هذا الحل إلى معرفة مضافة تساعد المؤسسات على تطوير قدراتها في التعامل مع حالات مشابهة قد تواجهها في المستقبل. وذلك لتحويل نقاط الضعف التي تواجه المنظمات إلى عناصر قوة تمكن منظمات الأعمال من امتلاك ميزة تنافسية في تنفيذ أعمالها وانشطتها في مجال اختصاصها.

ولتحقيق ذلك لابد من وجود خبراء متخصصين يستطيعون القيام بهذه المهمة. ولكن بسبب ندرة هؤلاء الخبراء وزيادة الطلب عليهم مستقبلاً, يصعب الاحتفاظ بهم لفترة طويلة لكثرة الطلب عليهم في عالم الأعمال واستئثار المؤسسات الكبرى بهم بسبب توافر الإمكانات الكبيرة لهذه المؤسسات التي تساعد على جذب هؤلاء الخبراء. وبالتالي حرمان الكثير من المؤسسات من خدمات وخبرات هؤلاء الخبراء.

وهنا يمكن لأدوات وتقنيات تحليل ونمذجة البيانات الذكية ان تقدم الدعم لمؤسسات الاعمال بمختلف انواعها واحجامها وذلك من خلال قدرتها في استخدام المعلومات المتاحة لتبسيط المشكلة ولتحديد درجة ارتباط المتغيرات المؤثرة فيما بينها، حيث تتميز هذه التقنيات بقدرتها على معالجة البيانات ومزج الحلول ونمذجة المشكلات وليس فقط توفير معلومات جاهزة, مما يساعد مؤسسات الاعمال على تحقيق أهدافها بأفضل الطرق. وكذلك تراكم الخبرات والمعرفة الناتجة عن هذه الحلول تؤدي إلى الإبداع في حل المشكلات، وتحقيق التكامل بالعمليات الداخلية، وإغناء تجارب المنظمة لبناء قدراتها لمواجهة المشاكل والحالات المشابهة في المستقبل، وذلك بهدف تحسين القدرات الجوهرية للمنظمة [1]. حيث تقدم تقنيات تحليل البيانات الذكية المساعدة لمؤسسات الأعمال على حل المشكلات التي لا توجد وسيلة نمطية لحلها، وذلك من خلال دراسة عمليات التفكير المنطقي للعنصر البشري في حل المشكلات، وتمكين الحاسبات الآلية من تنفيذ مهام متخصصة مبنية على تفهم كيفية أداء الخبراء البشريين لنفس المهام [2]. بالإضافة إلى أن هذه التقنيات لا تساعد منظمات الأعمال على تحقيق النمو المادي المتمثل بزيادة العوائد وتقليل التكاليف فقط، وإنما تساعد كذلك على تنمية رأس المال البشري، وهو أثمن ما تملكه منظمات الاعمال. حيث تساعد الحلول الناتجة عن استخدام تقنيات الذكاء الأفراد على توسيع مداركهم من خلال التعامل مع حالات لا يمكن للتفكير المباشر من تناولها وحلها، فهي تساعد على زيادة فرص التعلم لديهم، وتحسين قدراتهم في التعامل مع حالات معقدة في بيئة العمل.

مثال عملي

كيف يمكن لشركة أدوية وبأقل الكلف تحديد مواقع إنتاج الأدوية، ومن أي المواقع يجب شحن الأدوية إلى الزبائن لتلبية كامل الطلب؟
كما هو معروف تقوم العديد من الشركات بتصنيع المنتجات في مواقع عديدة (تدعى عادةً نقاط العرض)، وتقوم بشحن هذه المنتجات إلى الزبائن عن طريق مواقع (تدعى نقاط الطلب). السؤال الطبيعي هو، ما هي الطريقة الأقل تكلفة لتصنيع وشحن المنتجات للمستهلكين ومع ذلك تلبية الطلب؟ يدعى هذا النوع من المسائل بمسائل النقل. حيث يتم هنا استخدام أداة (Solver) في اكسل والتي هي عبارة عن محرك بحث ذكي يقدم الدعم في عملية صنع القرار، من خلال البحث عن القيمة المثلى لعدد من القيم حيث تساعد هذه الأداة في الإجابة عن أسئلة التعظيم (تعظيم العوائد) سواء بزيادة الإيرادات أو بتقليل الكلف. ويتكون نموذج التعظيم من ثلاثة أجزاء هي خلية الهدف وخلايا المتغيرات والقيود [3].

  • خلية الهدف Target cell: تخفيض تكاليف الإنتاج والشحن.
  • خلايا المتغيرات Changing cells: الكمية المنتجة في كل نقطة عرض والتي يتم شحنها الى كل نقطة طلب.
  • القيود Constrain: لا يمكن أن تتجاوز الكمية المشحونة من كل نقطة عرض طاقة المعمل القصوى. يجب أن تتلقى كل نقطة طلب الكمية المطلوبة. وكذلك يجب أن تكون كافة خلايا المتغيرات غير سالبة.

لنفترض أن الشركة تقوم بإنتاج عقار معين في مواقعها في كل من Los Angeles وAtlanta وكذلك New York. وكل شهر يستطيع معمل Los Angeles إنتاج حتى 10000 باوند من العقار. ويستطيع معمل Atlantaإنتاج حتى 12000 باوند من العقار. ويستطيع معمل New York إنتاج حتى 14000 باوند من العقار.

على الشركة إجراء شحنات شهرية إلى الأقاليم الأربع الشرق والغرب والشمال والغرب الأوسط -في الولايات المتحدة الامريكية، بعدد من الباوندات الموضحة في النطاق B2:E2، الموضح في الشكل رقم:1. على سبيل المثال يجب أن يتلقى الإقليم الغربي على الأقل 13000 باوند من العقار شهرياً. تكلفة إنتاج وشحن الباوند الواحد من العقار إلى كل إقليم معطاة في النطاق B4: E6.

على سبيل المثال، تبلغ تكلفة إنتاج الباوند الواحد من العقار في Los Angeles وشحنه إلى إقليم الغرب الأوسط $3.5.

شكل 1: بيانات مسألة النقل

الهدف التي تريد الشركة الوصول إليه هو “ما هي أرخص الطرق لتزويد كل إقليم بالكمية المطلوبة من العقار؟”
والآن للتعبير عن خلية الهدف نحتاج لحساب إجمالي تكاليف الشحن. بعد إدخال قيم تجريبية لتكاليف الشحن من أي نقطة عرض إلى أي إقليم في النطاق B10: E12، نستطيع حساب إجمالي تكاليف الشحن من خلال تمثيل بيانات مسألة النقل في البرنامج، حيث يتم تمثيل دالة الهدف والخلايا المتغيرة والقيود وكما هو موضح في الشكل التالي:

شكل2: إعداد solver لحل مسألة النقل

نريد تقليل تكاليف الشحن المحسوبة في الخلية (B18). خلايا المتغيرات هي الكميات المشحونة من كل معمل إلى كل إقليم من الأقاليم. هذه الكميات موضحة في النطاق المسمى Shipped، الذي يشمل الخلايا (B10: E12).

قيد العرض F10:F12<=H10:H12 يؤكد أن الكميات المرسلة من كل معمل لا تتجاوز الطاقة القصوى للمعمل. أما قيد الطلب B13: E13>=B15: E15 يؤكد أن الكميات المستلمة في كل إقليم تساوي على الأقل الكمية المطلوبة في هذا الإقليم.

الآن ننقر على خيارات في مربع حوار حدود Solver ثم ننقر على افتراض نموذج خطي، وافتراض عدم السلبية. وبعد النقر على زر Solve في مربع حوار حدود Solver نحصل على الحل الأمثل الموضح سابقاً في الشكل رقم (3) في خانة Total Cost $86,800.

شكل رقم 3 يوضح ناتج دالة الهدف

وبعدها نحصل على تقرير حل النموذج [4]، والذي يعتبر خارطة طريق لمنظمة الأعمال لاتباع وتنفيذ نتائجها للتعامل مع هذه الحالة، كما يلي:

الشكل 4: تقرير حل للنموذج [5]

النتائج الموضحة في الشكل أعلاه، تمثل ورقة تقرير حل النموذج والناتجة عن حل هذه المسالة “مسألة النقل” باستخدام أداة (solver). تبين ما يجب على الشركة القيام به في ضوء القيود التي يجب على الشركة عدم تخطيها وفي نفس الوقت تلبية الطلب لكل نقاط الطلب المذكورة، وتخفيض التكاليف إلى أقل ما يمكن وهو $86,800. وبعدها يمكن حفظ هذا التقرير في ذاكرة المنظمة (الذاكرة التنظيمية) كحالة جديدة تساعد منظمات الأعمال في التعامل مع حالات مشابهه مستقبلاً.

شرح نتائـج ورقة الحل

تبلغ التكلفة الدنيا لتلبية الطلب $86,800. يمكن تحقيق هذه التكلفة الدنيا إذا قامت الشركة باستخدام جدول الإنتاج والشحن كما هو موضح في تقرير حل النموذج وكالتالي:

كميات الشحن من المعامل الى الاقاليم

  • شحن 10000 باوند من Los Angeles إلى إقليم الغرب.
  • شحن 3000 باوند من Atlanta إلى إقليم الغرب الاوسط. وشحن 6000 باوند من Atlanta إلى إقليم الجنوب. وشحن 3000 باوند من Atlanta إلى إقليم الغرب.
  • شحن 9000 باوند من New York إلى إقليم الشرق، وشحن 3000 باوند من New York إلى إقليم الغرب الأوسط.

القيود

قيد الطلب
لا يمكن أن تتجاوز الكمية المشحونة لكل نقطة عرض طاقة المعمل القصوى. ويجب أن تتلقى كل نقطة طلب الكمية التي تحتاجها، وكما موضح بتقرير حل للنموذج.
إقليم الغرب يستلم 9000 باوند.
إقليم الغرب الأوسط يستلم 6000 باوند.
إقليم الجنوب يستلم 6000 باوند.
إقليم الغرب يستلم 13000 باوند.
قيد العرض
كما لا يمكن لكل معمل تجاوز طاقته الإنتاجية وكما موجود في جدول تقرير الحل.
معمل لوس أنجلس أرسل 10000 باوند.
معمل أتلانتا أرسل 12000 باوند.
معمل نيويورك أرسل 12000 باوند.

الاستنتاجات

نلاحظ أن ورقة تقرير حل النموذج تمثل خارطة طريق لتوجيه عمل شركة الأدوية والإجابة على السؤال الذي كان يواجه الشركة والموضح في بداية المقال (كيف يمكن لشركة الأدوية وبأقل الكلف تحديد مواقع إنتاج الأدوية، ومن أي المواقع يجب شحن الأدوية إلى الزبائن؟). وورقة الحل هذه هي نتاج استخدام تقنيات ذكية نسبياً للإجابة عن تساؤل إدارة الشركة ومساعدتها في حل المشكلات المعقدة وذلك لإنجاز أنشطتها بأقل التكاليف وبالأسلوب الأمثل. ويمكن أن تحفظ هذه الورقة كمعرفة جديدة تساعد المنظمة في توفير خبرة الخبراء البشريين وذلك للتعامل مع حالات مشابهة مستقبلاً في حال عدم توافرهم في المنظمة، وهي أحد أوجه استخدام تحليل البيانات لدعم القرار. جعلها متاحة لمنظمات الأعمال للارتقاء بمستوى الأداء، يُمكّن من استخدامها على مستوى واسع من القطاعات مثل (الإنتاج والتمويل والنقل والخدمات اللوجستية والتسويق وجدولة القوى العاملة … الخ).


الملاحظات

[1] سعد غالب ياسين، نظم مساندة القرارات.

[2] أبو احمد رضا صاحب، وقدوري فائق مشعل، إدارة المصارف.

[3] باشيوة لحسن عبد الله، بحوث العمليات.

[4] واين وينستون، (2010)، Microsoft Excel  تحليل بيانات الاعمال الإدارية والمالية الجزء الثاني.

[5] من اعداد الباحث.

المصادر

  1. ياسين سعد غالب، (2006)، نظم مساندة القرارات، الطبعة الأولى، دار المناهج للنشر والتوزيع، عمان الأردن.
  2. أبو أحمد رضا صاحب وقدوري فائق مشعل، (2005) إدارة المصارف، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد، دار ابن الاثير للطباعة والنشر-جامعة الموصل.
  3. باشيوه لحسن عبد الله، (2011)، بحوث العمليات، الطبعة الأولى، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، عمان.
  4. واين وينستون، (2010)، Microsoft Excel تحليل بيانات الاعمال الإدارية والمالية، الجزء الثاني، ترجمة ايناس شيخ سليمان، شعاع للنشر والعلوم، عمان. الأردن.
الوسوم
اظهر المزيد

ابراهيم الخلف

محلل انظمة مهتم بمجالات بتطوير مهارات الافراد للاستعداد للمستقبل.

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “دور تقنيات تحليل البيانات في حل مشكلات الأعمال”

  1. شكرا استاذ ابراهيم على هذا المقال المهم جداً,
    هل من الممكن مشاركة ملف الاكسل في المثال للاستفادة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق